في محراب ديوجين

شارك:

 

Diogenes of Sinope by Jean-Léon Gérôme, 1860

في طريقي إليه تملّكتني فكرة أن هذا الرجل حقيقيٌ جداً، وضّاء جداً، شفّافٌ جداً، باطنه كظاهره، كينونة قوية جداً بقدر الحرّية فيها. فهو كالموسيقى لا يشبه إلّا نفسه.
     وقابلتُ - قبل أن أصل إليه - عدداً من الفلاسفة والمفكرين. قال بعضهم أن الرجل صعلوكٌ بدائي متسول، يستميلُ لعودتنا نحو الحيوانية واللا حضارة ويزدريها. أيُّ مخلوقٍ شيطاني هذا الذي أنت ذاهبٌ إليه؟ ليمسك بيدي برتراند رسل ويخبرني (أن هذا الرجل شغوفاً رائعاً للفضيلة والحرية الأخلاقية). وتعالت الأصوات اعتراضاً حتى ظهر من بين الحشود رجلاً طويلاً أقرع يتحدث بالفرنسية. بالكاد - من زحمة المكان - عرفت أنه ميشيل فوكو ليقول (أن هذا الرجل هو المثل الأسمى لما يمكن أن تعلّمه الفلسفة). وكبُرَ وعَظُمَ الخِلاف لينقسم الجميع لفريقين. وكم هو عظيمٌ خلافهم لتتشكل صورة فنية حين التقى نيتشه بشوبنهاور وسيبنوزا وخلفهم هايدغر وسارتر وألبير كامو وجل الفلاسفة الوجوديون. 

     ومضيتُ ذاهباً إليه... فلم أرَ غير برميل.
"ديوجين" ناديتُ عليه فخرج من البرميل عارياً حاملاً بيده مصباح، اقترب وهو يقول ما زلت أبحث عن إنسان. 

"ما الإنسان الذي تبحث عنه" سألته. فقال وهو عائدٌ للبرميل: الإنسان الذي لا يوجد بين سكان المدينة، الإنسان الفاضل الحكيم. ومضى كمن يبدو يائساً للبرميل! 

"وكيف يكون هذا الإنسان" قلت له. فأجاب وهو في داخل البرميل: هو الذي تخلّى عن كل شيء ليملك كل شيء!. "وما الذي سيملكه المرء إذا تخلّى عن كل شيء" صاح آخر فقال: الحرية... وهي المسعى لحياة نظيفة.

تجمهر الناس على البرميل وتعالت الأصوات حوله فأخرج رأسه وقال هل يمكنكم أن تغادروا. أريد أن أنام. وصاح أحدهم "يا ديوجين لمَ أنت هكذا، بسيطٌ ورثٌّ ولا مبالي؟!

" فلم يجب حينها لكنه ظلَّ يتلفّت يمنة ويسرى ليرى ملامح الآخرين وهي تتوق لإجابته، فقال: كنت ذات ليلٍ أبحث عن مأوى والبردُ في أوجِّ شدّته، مرَّ أمامي فأرٌ لا يبدو عليه الحيرة والقلق لإيجاد مأوى، كان يتمشى ويأكل ما يظهر أمامه دون تكلّف أو رغبات فبدا لي مستريحاً بهذه الحياة. والحياة في جوهرها سهلة وبسيطة وأنتم أيها الأوغاد عقّدتموها وأفسدتموها بأنماطكم. وإذا أردتم أن تسألوا عن قدوتي فهو هذا الفأر.

"هل تريد أن تعيش كما تعيش الفئران؟" يسأل أحدهم ساخراً ويضحك آخرون. فيقول آخرٌ منهم "ألهذا تشرب الماء بيدك وليس مثلنا بكأس؟" فقال ولمَ علي أن أشرب بكأس والطبيعة وفّرت لي كوباً أستطيع الشرب بها وهي يدي؟

قال آخر مزمجراً: "أنت عارٌ على اليونان"
 قال له: أنا لستُ يونانياً. أنا مواطن من العالم. 
وقال آخر: لقد كنت مزور عملات يا ديوجين فهل تنكر؟
 والجميع ردد باستغراب، أمعقول؟!
 رد ديوجين عليهم ولمَ لا يكون معقولاً؟
 لكنّي فعلت ذلك عندما كنت أشبهكم، أمّا الآن فأنا مختلف.

سأله آخر عن سقراط. 
قال: هو الإنسان الذي أبحث عنه بالمصباح ولا أجده، سقراط هو الذي عرف الحياة كما هي وعاشها كما ينبغي وغادرها كما يجب للإنسان أن يكون.

 "وسقراطُ مثلنا إنسان."، زمجر أحدهم بهذا الكلام. 
فقال له ديوجين بكل برود: بل أنتم حثالة!

صاح أحدهم: "أيُّ نوعٍ من الكلاب أنت يا ديوجين؟" قال: الكلاب تعض أعداءها. لكن أنا أعض أصدقائي لإنقاذهم وأنتم أصدقائي. 
فهتف كثيرٌ منهم لديوجين: يا كلب يا كلب يا كلب.
 فقال ضاحكاً: أنا كذلك لأني أنبح على من لا يعطونني وأغرس أسناني في الأوغاد مثلكم.

قلتُ متسائلاً بصوتٍ مرتفع أين إفلاطون وأرسطو، ألا يجب أن يتدخلا لمحاورة ديوجين، قال أحدهم: إنهما يخشيانه، لم يدس قبلُ أحدٌ كرامتهما غيره!

فخرج من البرميل ورمى مصباحه وقال: إن شخصاً مثلي عرف الحياة الحقيقية لا يجب أن يموت، لكني سأموت وعند حدوث ذلك تخلصوا من جسدي دون دفنه. 

 قلت له: هل نضعها بعيداً لتأكلها النسور والوحوش البرّية؟! 
قال: لا طالما ستزودني بعصا لإبعاد هذه الكائنات عني! ولكنك ميت! أعدتُ سؤاله. فقال صحيح. كيف ستؤذيني لدغات هذه الوحوش وأنا فاقد لإدراك جسدي بعد موتي، إذاً دعها تأكله.

وقبل أن يهبَّ للعودة داخل البرميل قال: أنا لن أموت، سأستوطن عقولكم وقلوبكم وسأجردكم من كل الرفاهيات لأجل أن أحرركم منها، سأجعلكم تحرقون ثيابكم الفاخرة وسرائركم القطنية، وسأحثكم على رمي أموالكم في البحر، ولن تفكروا في كل ما يصيبكم بأي قلقٍ وتوتر، وستبدأون بالتنازل شيئاً فشيئاً عن كل التزاماتكم وهمومكم وشقاءكم. 

ما الحضارة إلّا شقاء الإنسان وعذابه. وسيقول أحدكم أن هذه الحياة مقززة. وهذا الرأي غير مهم. 
المهم أن تعيشوا حياةً سهلة للغاية وتلك هي السعادة!

التعليقات

الاسم

أخرى,4,إدارة ذاتية,4,تاريخ، فكر، علم اجتماع,2,تعلم,9,علم النفس الإجتماعي,1,علم النفس الإدراكي,7,فلسفة,7,
rtl
item
فطن: في محراب ديوجين
في محراب ديوجين
https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEiX3akQ2QSZPynejFsIMAkMAPIpUfsjWcAAwgFECQusgC6oO_zoAkCA_VuJfLwpRGhkc9fY_H2ZArLj4TBSfjrUsnka7_9V9vZyBSbkAPXrHOy0xBdpOhWfwjW-fV7Kq2gMmtmjh9h09TUnQvQaT6Wf2tLczplS21fwSkAkzpPL0dsJaqjv0nt0oCkeXw=w640-h470
https://blogger.googleusercontent.com/img/a/AVvXsEiX3akQ2QSZPynejFsIMAkMAPIpUfsjWcAAwgFECQusgC6oO_zoAkCA_VuJfLwpRGhkc9fY_H2ZArLj4TBSfjrUsnka7_9V9vZyBSbkAPXrHOy0xBdpOhWfwjW-fV7Kq2gMmtmjh9h09TUnQvQaT6Wf2tLczplS21fwSkAkzpPL0dsJaqjv0nt0oCkeXw=s72-w640-c-h470
فطن
https://www.fa6n.com/2021/11/blog-post.html
https://www.fa6n.com/
https://www.fa6n.com/
https://www.fa6n.com/2021/11/blog-post.html
true
3900940133559499526
UTF-8
تم تحميل جميع المقالات لا توجد أي مقالات مشابهة عرض الكل إقرأ المزيد التعليق إلغاء التعليق حذف بواسطة الرئيسية الصفحات المقالات عرض الكل مقترحة لك التسميات الأرشيف البحث جميع المقالات لا توجد أي مقالات مطابقة الرجوع للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليو أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليو أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر الآن قبل دقيقة قبل $$1$$ دقائق قبل ساعة قبل $$1$$ ساعات الأمس قبل $$1$$ أيام قبل $$1$$ أسابيع منذ خمسة أسابيع متابعين تابع هذا المحتوى مقفل الخطوة الأولى: شارك على شبكات التواصل الخطوة الثانية: اضغط الرابط من داخل موقع التواصل Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy قائمة المحتويات